أحمد بن علي القلقشندي

309

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

رأيتك من سائر الجهات ، ولا لمحت بيوت البحر بل البحور إلا رأيتك عمارة الأبيات : ولا هممت بشرب الماء من عطش إلا رأيت خيالا منك في الماء ! ولكن للعيان لطيف معنى له طلب المشاهدة الكليم ! فهلمّ إلى التّمتّع برؤية هذا النّيل الذي لم تر مثله العيون ، والنّظر إلى سائر المخلوقات لعمومه وكلّ في فلك يسبحون ؛ فليس يطيب للتّلميذ رؤية هذا البحر بغير رؤية شيخه ، ولا يلذّ له التّملَّي بمشاهدة هذا الفلك ما لم يشرق وجهه وذهنه ببدره ومرّيخه ؛ فما هذا الإهمال ؟ ، وليت شعري يا أديب تشاغلك بأيّ الأعمال ؟ ، أبالكتابة ؟ فلتكن في هذا النّيل الذي هو كالطَّلحيّة ( 1 ) بغير مثال ، أو بالنّثر والنّظم ؟ ففي هذا البحر الذي منه تؤخذ الدّرر وفيه تضرب الأمثال ؛ ولقد ولَّد فيه الفكر للمملوك ، كيف تصادم الأكفاء وقهر الملوك للملوك ؛ فإنه لم يسمع في مملكة الإسلام ، ولا ورّخ في عام من الأعوام ، بمثل هذه الزيادة الزائدة ، والجري على خرق العادة التي لا جعل اللَّه بها صلة ولا منها عائدة ؛ وغاية ما وصل إليه في الماضي من عشرين : فضيّق بسعته المسالك ، وأوجب المهالك ، وتطرّق تطرّق أهل الجرائم والفساد فقطع الطَّريق على السّالك ، وأحوج مرّات إلى الاستضحاء لا أحوج اللَّه لذلك . ودليل ما شمل به من الفساد ، وما عامل به البلاد وأهل البلاد ، ما قاله أدباء كلّ عصر ، عندما أبيح للمسافر في مدّ عرضه القصر . فمن ذلك ما قاله مولانا القاضي الفاضل ، وما هو رحمه اللَّه إلا بحر طفح درّه ، فللَّه درّه ، من رسالة :

--> ( 1 ) نوع من قطع الورق كان مستعملا في دواوين الممالك الشامية . واللفظ يستعمل اليوم في بلاد الشام فيقال : « طلحيّة » و « طرحيّة » . ( الصبح : 12 / 294 - 295 ) .